الجاحظ
328
الحيوان
ولو كان للكلب آلة يعرف بها عواقب الأمور وحوادث الدهور ، وكان يوازن بين عواجلها وأواجلها ، وكان يعرف مصادرها ومواردها ، ويختار أنقص الشرّين وأتمّ الخيرين ، ويتثبّت في الأمور ، ويخاف العيب ويأخذ بحجّة ويعطي بحجّة ، ويعرف الحجّة من الشّبهة ، والثّقة من الرّيبة ، ويتثبّت في العلّة ، ويخاف زيغ « 1 » الهوى وسرف الطبيعة ، لكان من كبار المكلّفين ومن رؤوس الممتحنين . 352 - [ الموازنة بين الأشياء لدى العاقلين ] والعادة القائمة ، والنّسق الذي لا يتخطّى ولا يغادر ، والنظام الذي لا ينقطع ولا يختلط ، في ذوي التمكين والاستطاعة ، وفي ذوي العقول والمعرفة ، أنّ أبدانهم متّى أحسّت بأصناف المكروه والمحبوب ، وازنوا وقابلوا ، وعايروا وميّزوا بين أتمّ الخيرين وأنقص الشرّين ، ووصلوا كلّ مضرة ومنفعة في العاجل بكلّ مضرّة ومنفعة في الآجل وتتبعوا مواقعها ، وتدبّروا مساقطها ، كما يتعرّفون مقاديرها وأوزانها ، واختاروا بعد ذلك أتمّ الخيرين وأنقص الشّرين . فأما الشر صرفا والخير محضا فإنّهم لا يتوقّفون عندهما ، ولا يتكلّفون الموازنة بينهما ، وإنّما ينظرون في الممزوج وفي بعض ما يخشى في معارضته ، ولا يوثق بمعرّاه ومكشّفه ، فيحملونه على خلاص الذّهن ، كما يحمل الذّهب على الكير « 2 » . وأمّا ذوات الطّبائع المسخّرة والغريزة المحبولة فإنما تعمل من جهة التسخير والتنبيه ، كالسمّ الذي يقتل بالكمّيّة ولا يغذو ، وكالغذاء الذي يغذو ويقتل بالمجاوزة لمقدار الاحتمال . وإن هيّأ اللّه عزّ وجلّ أصناف الحيوان المسخّرة لدرك ما لا تبلغه العقول اللطيفة ، بلغته بغير معاناة ولا رويّة ولا توقّف ، ولا خوف من عاقبة . ومتى تقدّمت إلى الأمور التي يعالجها أهل العقول المبسوطة ، المتمكّنة بطبائعها ، المقصورة غير المبسوطة ، لم يمكنها أن تعرف من تلك الطبيعة ما كان موازيا لتلك الأمور ببديهة ولا فكرة . وإذا كانت كذلك فليس بواجب أن تكون كلّما أحسنت أمرا أمكنها أن تحسن ما كان في وزنه في الغموض والإلطاف ، وفي الصّنعة التي لا تمكن ، إلّا بحسن التأتّي وببعد الرويّة ، وبمقابلة الأمور بعضها ببعض . وهذا الفنّ لا يصاب إلّا عند من جهته العقل ، ويمكنه الاستدلال ، والكفّ عنه والقطع له
--> ( 1 ) الزيغ : الميل . ( 2 ) الكير : رقّ ينفخ فيه الحداد .